الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
124
مختصر الامثل
حلقة أخرى ، فتذكر مراحل العمر المختلفة والعوامل المؤثّرة في زيادته ونقصانه فتقول الآية الكريمة : « وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِى كِتَابٍ » . « معمّر » : من مادة « عُمْر » في الأصل من « العمارة » نقيض الخراب ، والعمر اسم لمدّة عمارة البدن بالحياة خلال مدة معيّنة . المقصود من « الكتاب » هو العلم الإلهي اللامحدود . وأخيراً تختم الآية بهذه الجملة : « إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ » . فخلق هذا الموجود العجيب من التراب ، وبدء خلق إنسان كامل من « ماء النطفة » وكذلك المسائل المرتبطة بتحديد الجنس ، ثم الزوجية ، والحمل ، والولادة ، وزيادة أو نقص العمر سواء بلحاظ القدرة أو بلحاظ العلم والحسابات كلها بالنسبة إليه تعالى سهلة وبسيطة ، وذلك بمجموعه يمثّل جانباً من « آيات الأنفس » التي تربطنا ببداية عالم الوجود والتعرّف عليه من جهة ، كما تعتبر أدلّة حيّة على مسألة إمكانية المعاد من جهة أخرى . إنّ هناك سلسلة من العوامل الطبيعية التي تؤثّر على طول أو قصر العمر ، والتي أصبح أكثرها معروفاً عند الناس ، كالتغذية الصحيحة بعيداً عن الإفراط والتفريط ، العمل وإدامة الحركة ، تحاشي المواد المخدّرة ، والإدمانات الخطرة والمشروبات الكحولية ، الابتعاد عن المهيّجات المستمرة ، التمسك بإيمان قوي يساعد الإنسان على العيش بإطمئنان وهدوء في الملمّات ، ويعطيه القدرة على مواجهة ذلك . وإضافة إلى ذلك ، فإنّ هناك عوامل أخرى والروايات أكّدت عليها ، وكنموذج نورد الروايات التالية : أ ) في مكارم الأخلاق للطبرسي عن الرسول صلى الله عليه وآله قال : « إنّ الصدقة وصلة الرحم تعمران الديار وتزيدان في الأعمار » . ب ) وفي وسائل الشيعة عن الإمام الباقر عليه السلام قال : « البر وصدقة السرّ ينفيان الفقر ويزيدان في العمر ، ويدفعان عن سبعين ميتة سوء » . تشير الآية التالية - التي تعتبر قسماً آخر من آيات الآفاق الدالة على عظمته وقدرته سبحانه وتعالى - إلى خلق البحار وبركاتها وفوائدها ، فتقول الآية الكريمة : « وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ » . فمع أنّ كلا البحرين في الأصل كانا بصورة قطرات من الماء الصافي والسائغ نزلت من